تخطى إلى المحتوى
سراج المعرفة
مقالات

معالم الحلال والحرام

مدة القراءة: 4 دقائق
معالم الحلال والحرام

قال تعالى في محكم كتابه المجيد: “بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ” فى هاتين الآيتين المباركتين، تأكيد على أن لدى الإنسان طاقة ذاتيّة تكشف له مواطن الخطأ والصواب في أعماله، لتكون الحَكَم المباشر عند اختياره القيام بأي عمل يريد القيام به. وبالاستجابة إلى هذه الطاقة الإيجابيّة، نرى الاستقامة في حياة الإنسان، حيث تتجلى هذه الاستقامة طمأنينة في نفسه وراحة في مجتمعه وبيئته. أما إذا كانت هذه الاستجابة سلبيّة نتيجة طمع أو تلبية لشهوة محرمة، فيستولي عليه القلق لعلمه أن ما قام به قد يعرّضه للمسؤوليّة القانونيّة في الدنيا، والمحاسبة الأكيدة في الآخرة. وإنْ غطّى الخاطئ خطأه بتبريرات مختلفة تُخلّصه من تبعات عمله في الدنيا، فلا مجال للتملّص من نتائج أعماله في الآخرة، فقاضي الآخرة “يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ”. وهنا تكمن أهميّة الإيمان بالله في مسار حياة المرء الذي يرتقي بإنسانيّة المؤمن إلى مصاف عالية، فطاعة الله سبحانه تبعده من الحرام، وتثبّته في الحلال.

وأمام هذا الواقع ينقسم الناس إلى نموذجين اثنين لا ثالث لهما. الأول: آمن وأطاع وعمل صالحا، فاستقام. والثاني: أنكر وعصى وعمل سيئا، فانحرف.

فالحلال فيه رخصة من الله تعالى بفعله، لأنه خير لفاعله ولمجتمعه. والحرام هو ما لم يرخّص الله بعمله لضرره الأكيد على فاعله وبيئته. والإيمان عقيدة خالصة بين العبد وربه، ويُستدل عليها من خلال حسن الأخلاق، فمن زادك في حسن أخلاقه فقد زادك في إيمانه. ولربما تظاهر البعض بالإيمان وحسن المعاملة، لتمرير مصالحه الخاصة، وهذا يدخل في باب النفاق. وبإمكان المرء أن يخدع بعض الأشخاص لبعض الوقت، إلا أنه لا يمكنه أن يموّه على كل الناس دائما، ومن جهة أخرى هو مكشوف عند ربّ الناس، والله تعالى يُمهل ولا يُهمل.

ولما كان كل ما يدخل في باب الحرام يشكل خطرا على سير الحياة في الدنيا، وعاقبة سوء في الآخرة، كان التحليل والتحريم حقّا إلهيّا محضا، لا دخل للإنسان فيه، فما أصّله الله في كتابه فهو الحلال، وما حرّمه فهو الحرام، وما سكت عنه فهو العفو. فاقبلوا من الله عافيته، ولم يكن الله لينسى شيئا من جهة، ومن جهة ثانية الأصول في التحليل والتحريم لا تحتمل الزيادة والنقصان كما جاء في الحديث الشريف: ” وشرًّ الأمورِ محدثاتُها وكلّ بدعةٍ ضلالةٌ وكلَّ ضلالةٍ في النارِ”، فلهذا اتبع ولا تبتدع، واتضع ولا ترتفع، فالورع لا يتسع. فمن قبل فعل الحرام من شخص ما فكأنه ألّهه وهو لا يدري. ولا تقل عن شيء حلالاً أو حراماً من دون دليل قطعي، فقد هلك المتنطعون. بل يمكن القول إنهه مكروه، أو لا بأس فيه، وفي مطلق الأحوال مَنْ كان ناقلا، فليحرص على صحة النقل ومن كان مدعيا فعليه بالدليل، لأن النقل المُحرّف والادعاء الباطل، حرام، واقتراف الحرام حجاب بين العبد والمعبود.

ولنعلم أن الحلال والحرام نعمة من نعم الله العظيمة، فلو أُلغي الحلال والحرام، لفسُدت المعاملات، وسيطر القوي على الضعيف، وبطل الثواب والعقاب، وكانت الحياة سُدى، وحاشا الله سبحانه وتعالى. فتصرفات العِباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات، وعادات. فالعبادات شرع الله في خلقه. والعادات وضعها الناس، لتسهيل أمر دنياهم وتيسيرها، ولكن المنهج الديني صحّحها أو عدّلها، أو بدّلها أو أقرّها كما هي، ليبقى الإنسان في دائرة مرضاة الله، لأنه مخلوق بفطرة سليمة، متناغمة مع التعاليم الدينيّة الشريفة. ولنعلم أن في الحلال ما يغني عن الحرام. ومن الناس من يجوّز لنفسه بأمور يسهّل فيها حصوله على ما يريد ولو بالحرام، فالتحايل على الحرام، حرام، وكل ما يؤدي إلى الحرام، ويوصل إليه حرام.

ومن أكبر الكبائر، تحليل الحرام، وتحريم الحلال، لأنهما يؤديان إلى زعزعة المجتمع، وضرب استقرار الحياة الإنسانيّة السامية القائمة على الفضائل ومكارم الأخلاق. فعندها تعمى البصائر، وتغيب العقول، وتكثر الرذائل، وتنتشر المعاصي والمآثم، وتسود شريعة الغاب. فعلى سبيل المثال عندما يصبح مفهوم الحرية كما هو شائع اليوم، حرية الإنسان في فعل ما يريد من معاصٍ وذنوب من دون رادع أخلاقي، أو يعني حرية النساء في لبس ما يخدش الحياء ويغضب الجبار، عندها نكون أمام مفهوم معكوس وعالم ممزوج بالمعصية. بينما الحرية تعني عند أهل الفضل والفضيلة والحكمة والحكماء، تحرّر الإنسان من رقّ الاستعباد لشهواته ونزواته الأرضيّة، والارتقاء في معارج الروح، وصفاء الطاعة، ونور البصيرة، وشرف النفس النوارنية. فشتّان ما بين المفهومين وما بين القومين!!

نسأله تعالى أن يعيننا على شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا مهما اشتدت الصعاب، ويقدرنا على اقتناء الخيرات، والمبادرة إلى الطاعات والعبادات، إنه ولي الإجابة. والحمد لله رب العالمين.

بقلم: الأستاذ الشيخ نبيل رعد.

شارك المقال