
توفي الكاهن الكاثوليكي الأب باتريسيو ألفريدو سانشيز، إثر سقوط صليب خشبي كبير عليه، كان مُثبّتًا على الحائط خلف المذبح، وذلك أثناء إقامته القداس في كنيسة سيدة العون الدائم بمدينة غواياكيل في الإكوادور، حيث كان القداس يُبثّ مباشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
لم يمرّ هذا الخبر مرور الكرام، بل أثار تفاعلًا واسعًا بين أتباع المذهب الكاثوليكي نفسه، وسائر المذاهب المسيحية، وأتباع الأديان الأخرى، فضلًا عن غير المؤمنين. وتنوّعت النقاشات بين تساؤلات لاهوتية وأخلاقية واجتماعية، تناولت الذنب والمغفرة والرحمة، ومعنى الموت وأسبابه، وما إذا كانت هذه الوفاة عقوبة إلهية أم نعمة ربانية. غير أنّ بعض هذه النقاشات تجاوز حدود التساؤل المشروع، ليتحوّل إلى شماتة وطعن في المعتقدات والأديان، وإساءة إلى المتوفى بسبب انتمائه الديني.
وما يستحقّ التوقّف عنده والتأمّل فيه، ليس اختلاف الناس في تفسير الحادثة، بل حجم الشماتة والكراهية اللتين أظهرهما البعض تجاه إنسان، لأنه ينتمي إلى معتقد مختلف. ومن هنا، تبرز أسئلة لا بدّ لكلّ صاحب ضمير حيّ أن يطرحها على نفسه:
هل يدعوك اختلاف المعتقد إلى الشماتة بمن يخالفك في الدين أو الطائفة؟
ألا يستحقّ الموت حرمته، والإنسان كرامته، حتى وإن اختلفت معه في العقيدة والفكر؟
كيف تفسّر حوادث مشابهة تقع لأشخاص من دينك أو مذهبك، وهم في أماكن عبادتهم؟ هل تعدّ وفاتهم عقوبة إلهيّة، أم تراها كرامة ربانيّة؟ وعلى أي أساس تفرق بين الحالتين، إن كنت تجعل من طريقة الموت وحدها دليلًا على رضا الله أو غضبه؟
ثمّ كيف تنظر إلى ما تتعرض له دور عبادتك من هدم أو حريق أو تدمير؟ أترى في ذلك دليلًا على فساد معتقدك أو ضعف إيمانك؟ أم أنك ترفض هذا المنطق حين يتعلق بك وبمن تنتمي إليهم، بينما تتبنّاه حين يصيب المختلفين عنك؟
إن العدل الحقيقي يبدأ حين نطبق على أنفسنا المعيار الذي نطالب الآخرين بتطبيقه علينا، وحين نكفّ عن تفسير أقدار الله وفق أهوائنا ومواقفنا المسبقة.
أيّها الإخوة والأخوات،
إنّ الإنسانية تقتضي منّا أن نضع كرامة الإنسان في صميم تعاملنا مع الآخرين، وأن ندرك أنّ احترام المختلف عنّا في الدين لا ينقص من إيماننا، بل يكشف عن عمق هذا الإيمان ونضجه. فالدين عقيدة وأخلاق وسلوك ومعاملة، ولا يستقيم التديّن حين نتمسّك بشعائره ونفرط في قيمه، أو حين نرفع شعارات الإيمان ونمارس ما يناقض الرحمة والعدل وحسن الخلق. والرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام يقول: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأَخْلاقِ"، وقال أيضا: "إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا". وهناك قول منتشر يقول: "لاتحدثنى كثيرا عن الدين، ولكن دعنى أرى الدين فى أخلاقك وسلوكك وتعاملاتك"، وقال ابن القيم: "الدين كله خُلق، فمن فاقك في الخلق فقد فاقك في الدين". أما إنجيل لوقا فقد ذكر عن السيد المسيح (ع) أنه قال: "كما تريدون أن يفعل الناس بكم، كذلك افعلوا أنتم بهم".
ويقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. فإذا كان الله تعالى يأمر بالدعوة إليه، بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، فكيف لنا أن نجعل من الإساءة والسخرية والشماتة وسائل للتعبير عن إيماننا؟ وكيف نطعن في عقائد الآخرين من خلال حادثة لا نعلم غيب الله تعالى بها وبحكمها؟
إنّ الدعوة إلى الله لا تكون بالتشفّي من آلام الناس، ولا بإذلالهم عند مصائبهم، ولا بتحويل موتهم إلى مناسبة للانتصار المذهبي والطائفي، بل تكون بالقدوة الحسنة، والكلمة الطيبة، والحكمة التي تفتح القلوب بدل أن تنفّرها.
يا أخي،
انشغل أنت بإصلاح نفسك، واعمل بكلّ ما أوتيت من قوة وإخلاص لتكون من أهل الجنّة وفق ما تؤمن به وتعتقده، واجتهد في فعل الخير، وأحسن إلى الناس، وطهّر قلبك من الحقد والكراهية، ولا تدّخر وسعا في عمل صالح يقربك إلى الله، ولكن احذر أن تظنّ أن الطعن في الآخرين أو شتمهم يرفع منزلتك عند ربك. فقد يكون ما تظنّه نصرةً لدينك إساءةً إليه في أعين الناس، وقد تكون بكلمة جارحة سببًا في نفور إنسان أو جماعة، من الدين الذي تزعم الدفاع عنه. وليس الخلل في الدين الذي يدعو إلى الخير، بل فيمن يسيء فهم تعاليمه، أو ينتقي منها ما يوافق أهواءه، ثمّ يتصرّف بما يناقض مقاصدها الأخلاقيّة.
وفي هذا السياق، يقدم لنا السيد المسيح مثالا بالغ الدلالة في إنجيل لوقا، حين تناول حادثة سقوط برج سلوام ومقتل ثمانية عشر شخصًا تحته، رافضا الربط التلقائي بين طريقة موتهم وكونهم أكثر ذنبا من سائر سكان أورشليم، إذ قال: "أَوْ أُولَئِكَ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ سَقَطَ عَلَيْهِمُ الْبُرْجُ فِي سِلْوَامَ وَقَتَلَهُمْ، أَتَظُنُّونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مُذْنِبِينَ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ السَّاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ؟ كَلَّا! أَقُولُ لَكُمْ: بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذَلِكَ تَهْلِكُونَ".
إنّ هذا النصّ يضعنا أمام حقيقة أخلاقيّة وروحيّة عميقة، وهي ليس من حقّ الإنسان أن يجعل من المصائب التي تصيب الآخرين دليلًا على فسادهم أو سوء عاقبتهم، ولا أن يدّعي معرفة الحكمة الإلهيّة وراء كل حادثة. فكم مرة نكيل الأمور بمكيالين؟ حين يمرض من نحب، نقول: ابتلاء. وحين يتألّم من لا نحب، نقول: عقوبة. وإذا أصابت مصيبة من نحب، التمسنا له الأعذار، وقلنا إنه طيّب القلب، أما إذا أصابت من نختلف معه، سارعنا إلى اتهامه بالظلم وسوء العمل، وكأننا نملك مفاتيح الغيب، ونعرف أسرار النفوس، ونوزع أحكام الله على عباده وفق أهوائنا.
يا أخي، احذر أن تجعل أهواءك ميزانا لأقدار الله، وأن تنصب نفسك قاضيا على نوايا الناس ومصائرهم. فكلنا أصحاب عيوب وتقصير، ولولا ستر الله ورحمته لانكشفت من نقائصنا ما يجعلنا أحوج إلى التواضع والاستغفار من الانشغال بفضح الآخرين وإدانتهم.
وما أقبح أن يتحوّل الإيمان، الذي يُفترض أن يطهر القلب ويهذب النفس، إلى ذريعة للكراهية والانتقام والتشفّي! وما أشد التناقض بين التقدم الذي أحرزته البشريّة في ميادين العلم والتقنيّة والذكاء الاصطناعي، وبين ما لا يزال يسكن بعض القلوب من تعصّب أعمى وأحقاد قديمة، تدفع أصحابها إلى انتهاك كرامة الإنسان عند أشد لحظات ضعفه وألمه. فانشغل بإيمانك، لا بالإساءة إلى معتقدات الآخرين. وانشغل بإصلاح قلبك، لا بتوزيع الأحكام على الناس. واسعَ إلى النجاة بنفسك، لا إلى إثبات هلاك غيرك.
إنّنا اليوم وفي كل يوم، أحوج ما نكون إلى صفاء القلوب، وتطهير النفوس من الأحقاد، وتنقية الأفكار من التعصّب والرذائل، والارتقاء إلى مرتبة الإنسانيّة الحقة؛ حيث يبقى الاختلاف اختلافًا، ولا يتحوّل إلى عداوة، وحيث تكون العقيدة مصدرا للأخلاق، لا غطاء للإساءة، ويكون الإيمان طريقا إلى الرحمة، لا ذريعة للكراهية.
بقلم: الشيخ كامل العريضي
